Wednesday, May 11, 2022

سيجارة الهلاك


علبة سجائر واحدة لم تكن أبدا كافية لإطفاء النار المشتعلة في روحه البائسة، أمواج البحر ترتطم بعنف بالحاجز تماما كما ينبض قلبه يكاد ينفجر ندما ، الغيوم تكبت دموعها الحمضية التي قد تجعل العظام عراة بدون ساتر ينقذها من نظرة الأخر و انتقاده له كشبيه ، إن حبات الرمل مهددة بهجرة قسرية ، العاصفة الرملية على الأبواب لكي تحملها بين أحضان الرياح و تتخلى عنها فيما بعد على حسب نوعيتها للترسب من جديد كدورة حياة أخرى تخضع لها ، 

لقد كانت أصواتا تنوعت مصادرها و صداها ، لكنها التقت ببعضها البعض في تقاطع الأمل بالألم ، حيث كانت تردداتها تتعالى حتى ذروة الفراغ لكي تتذبذب فيما بعد لتخلق لنا موجات دورية ، بين الموجب و السالب ، تتراقص على النار ، تتمايل على نغمات الرعد ، تتبسم في جنازة نفسها ، تتأسف و تتلفظ بكلمات مقدسة و تضع الوردة الذابلة على قبر مشاعرها و تبتعد شيئا فشيئا و كأن الموت يمتص كيانها فالإنخماد مصيرها ...

إن يديه ترتعشان و هما يمسكان القداحة الرمادية المتهالكة ، يشعلها فتنطفئ جراء الرياح العاتية ، يعيد الكرة و يفشل مرة أخرى ، سيجارته تنتظر أن تحترق و تبخر معها كل أيامه السوداء لأنها ستنعدم من الوجود في الأصل ، و ها قد بدأ صبره بالنفاد ، أشعلها هذه المرة بحذر شديد ، يحمي لهيبها من الخمود ، ينجح في هذه المحاولة فيشعل سيجارته العشرين ، كان يظن أنه يدخن التبغ لكن ليس كذلك ، بل الحياة كانت تدخنه في تلك الوهلة ،  تستهلكه مع كل سيجارة ، و كأنه قد اشترى تذكرة قطار الموت الذي سيذهب في الإتجاهات التي هو حددها الموصلة كلها إلى الزوال ، يا للأسف ، قد اختار أن يكون طفاية السجائر ، رماد الشجى يخنقه بلا رحمة ، سعل لحد الشعور بروحه تودعه في أرض خالية ، الدخان يمتزج بالهواء المنعش فيتطفل عليه ، بعد تدخين السيجارة الأخيرة في العلبة ، لم يكتفي ، و ذهب كعادته لشراء علبة أخرى ، إنه مطارد لملاك الموت ، متجاهل لسراب الحياة ، منتزح عن حبل النجاة ، عاشق لسيجارة الهلاك .

بقلم : هاجر بلهاشمي

No comments:

Post a Comment

وردية العمل

  كأن الساعات تتضاعف و الضيق على صدري ينقبض أكثر فأكثر، و القلق يتشكل عرقا على جبيني، أحمِل  تراكمات الأيام و سخط الأمس معي، اترقب موعد حريت...